وفاة خيسوس .. عنف الملاعب يضع الفيفا في ورطة
تعيد وفاة خيسوس دي ميغيل، مهاجم فريق تينيريفي الإسباني، إلى الواجهة جدلاً قديماً متجدداً حول مظاهر العنف في ملاعب كرة القدم، ولا سيما التدخلات العنيفة التي تتجاوز حدود التنافس المشروع والروح الرياضية، لتتحول إلى سلوك عدواني يستهدف تعطيل المنافس أو تحييد خطورته، حتى وإن كان الثمن تعريض حياته أو سلامته الجسدية لخطر جسيم.
إن الاصطدام العنيف الذي تعرض له مهاجم تينيريفي
من حارس مرمى الفريق المنافس يثير تساؤلات جدية حول حدود القوة المقبولة في الأداء
الرياضي، ومدى التزام اللاعبين بواجب الحيطة والحذر عند التعامل مع المنافسين.
فالتنافس على الكرة، مهما بلغت حدته، لا يمنح أي لاعب مبرراً لاستخدام قوة مفرطة
أو القيام بتدخل متهور قد تترتب عليه عواقب تتجاوز حدود المباراة. وتزداد خطورة
مثل هذه التصرفات حين لا تكون هناك ضرورة تنافسية تبرر مستوى الاندفاع المستخدم،
بما يجعلها أقرب إلى الإخلال الجسيم بقواعد السلامة والمسؤولية الرياضية.
ولا ينبغي النظر إلى هذه الحادثة باعتبارها
واقعة مأساوية معزولة، بل بوصفها مؤشراً على إشكالية أعمق تتعلق بتنامي بعض
السلوكيات العنيفة في الملاعب، حيث تتراجع أحياناً اعتبارات سلامة اللاعبين أمام
الرغبة في الفوز أو إيقاف المنافس بأي وسيلة. وهي ظاهرة تستدعي مراجعة جادة
للآليات التأديبية، ومدى كفاية العقوبات الحالية في ردع من يتعمدون أو يستهينون
بالتدخلات الخطرة التي قد تنهي مسيرة لاعب، أو تتركه بعاهة مستديمة، أو تقوده إلى
الموت.
ومن هنا، تبرز مسؤولية الاتحاد الدولي لكرة
القدم (فيفا) والاتحادات القارية والوطنية في اتخاذ موقف أكثر حزماً تجاه هذا
النوع من السلوك. فلم تعد العقوبات التقليدية، كالإيقاف لمباريات محدودة أو
الغرامات المالية، كافية في مواجهة المخالفات الجسيمة التي تهدد حياة اللاعبين.
والمطلوب هو تطوير منظومة عقوبات رادعة تتناسب مع خطورة الفعل ونتائجه، بما في ذلك
فترات الإيقاف الطويلة، والإبعاد النهائي عن المنافسات في الحالات التي تثبت فيها
جسامة السلوك وتعمده، مع ضمان التحقيق العادل وتحديد المسؤوليات وفقاً للقواعد
القانونية والرياضية.
إن حماية اللاعبين ليست مسؤولية الحكام وحدهم،
ولا يمكن اختزالها في تطبيق قوانين اللعب أثناء المباراة؛ بل هي مسؤولية مؤسسية
وأخلاقية مشتركة، تبدأ من نشر ثقافة احترام المنافس، ولا تنتهي عند فرض العقوبات
على المتجاوزين. فالملاعب وجدت لتكون فضاءً للتنافس والإبداع والمتعة، لا ساحة
لتصفية الحسابات أو ممارسة القوة المنفلتة.
رحل خيسوس دي ميغيل، تاركاً خلفه أحلام شاب
وأسرة ونادياً وجماهير كانت تنتظر منه المزيد. وما يزيد هذه الفاجعة إيلاماً أن
كرة القدم، التي يفترض أن تمنح اللاعبين فرصاً لصناعة المجد وتحقيق الأحلام، قد
تتحول بفعل لحظة تهور غير محسوبة إلى سبب في فقدان الحياة. فالحياة أكبر من
المستطيل الأخضر، وأثمن من نتيجة مباراة، وأوسع من حدود المرمى والقائمين
والعارضة. ولا ينبغي أن ينسى أي لاعب، مهما اشتدت حدة المنافسة، أن خصمه داخل
الملعب إنسان قبل أن يكون منافساً، وأن سلامته تظل أولوية لا يجوز أن تتقدم عليها
حسابات الفوز والخسارة.

تعليقات