في سنوات الجنون .. كنت مفتوناً بالقراءة والاطلاع الثقافي والأدبي .. ومعي كثيرون .. وكانت تصلنا حينها في الخرطوم- تقريباً في عقد الثمانيات - مجلة لندنية اسمها "الدستور" - عرفت لاحقاً أنها كانت عراقية الهوى - وقد كنت ضمن مجموعة يسمون أنفسهم أصدقاء مجلة الدستور ونحن في الثانوية العامة .. لا لشيء سوى أن المجلة كانت تفسح مجالاً للقراء لنشر انطباعاتهم، خصوصاً في الشعر والقصة القصيرة وبعض جنون الشباب ..
كنا نتسابق في كل أسبوع وعدد لنطلّع على صفحة بعنوان "أوراق عاشق" يكتبها كاتب باسم مستعار هو "يارا" .. يارا كان قلماً مفتونا وساحراً يُلهب المشاعر ويشعل جنون الشباب والصبايا .. ولا يمكن أن يكون يارا هذا إلا كاتباً أو شاعراً كبيراً يعرف انتقاء الكلمات الساحرة المليئة بدفق العاطفة.
اعتقد كثيرون حينها أن "يارا" هو نزار قباني لأن كلماته كانت تشتم منها عبق جُرح قديم لم يلتئم، وتمردٌ لفظي عجيب على الاغتراب، بينما قال البعض إن كلماتها تحمل نفس غادة السمان الشاعرة السورية الرصينة، أو على الأرجح يكون الأديب ياسين رفاعية "يارا"، نعم كنا نعرفهم جميعاً ونشتم رائحة كلماتهم بعنفوان شبابي وثقافة لا تعرف الحدود .. لا أحد مثلنا .. كنا نقرأ مرثيات نزار قباني وعشقياته، ودندنات شاكر السياب وحداثيات نازك الملائكة، وياسين رفاعية، والكاتبة السورية المرهفة غادة السمان، ونسمع وقع كلمات ناجي العلي ورفيق دربه حنظلة، كنا نتملك العالم أدباً وشعراً ولغة .. حينها كان يحلو القول من المحيط إلى الخليج..
على كل احتار قراء المجلة - وأنا منهم - عن من هو "يارا" هذا، كما أن إدارة المجلة رفضت أن تفصح عن من هو كاتب هذا العشق الجنوني، وظل الحال هكذا وسط ضجيج التساؤلات العنيفة، إلى أن اختفت المجلة وتوقفت وذهبت موجتها وذهب معها الجنون الجميل..

ولكن أنا الآن لم أعد أبحث عن أوراق عاشق وكاتبها يارا .. بل الآن بت أبحث عن بلدي السودان الذي هو الآن على وشك الضياع ..
بالله عليكم ابحثوا معي عن وطني..والله أنا أبكي الآن.





