يونيو 01، 2026

ابحثوا معي عن ( يارا ) .. سنوات الرهق الجميل

 هذا المقال كتبته في هذه المدونة قبل 18 عاماً من الآن "2008" في زهرة عصر المدونات في الوطن العربي، ولكن الآن بعد هبوب رياح الخمسين من العمر، بتُ أشك أنني كنت حينها بهذا الرهق الجنوني وهذا العنفوان الأدبي:
 
في سنوات الجنون .. كنت مفتوناً بالقراءة والاطلاع الثقافي والأدبي .. ومعي كثيرون .. وكانت تصلنا حينها في الخرطوم- تقريباً في عقد الثمانيات - مجلة لندنية اسمها "الدستور" - عرفت لاحقاً أنها كانت عراقية الهوى - وقد كنت ضمن مجموعة يسمون أنفسهم أصدقاء مجلة الدستور ونحن في الثانوية العامة .. لا لشيء سوى أن  المجلة كانت تفسح مجالاً للقراء لنشر انطباعاتهم، خصوصاً في الشعر والقصة القصيرة وبعض جنون الشباب ..  
كنا نتسابق في كل أسبوع وعدد لنطلّع على صفحة بعنوان "أوراق عاشق" يكتبها كاتب باسم مستعار هو "يارا" .. يارا كان قلماً مفتونا وساحراً يُلهب المشاعر ويشعل جنون الشباب والصبايا .. ولا يمكن أن يكون يارا هذا إلا كاتباً أو شاعراً كبيراً يعرف انتقاء الكلمات الساحرة المليئة بدفق العاطفة.
اعتقد كثيرون حينها أن "يارا" هو نزار قباني لأن كلماته كانت تشتم منها عبق جُرح قديم لم يلتئم، وتمردٌ لفظي عجيب على الاغتراب، بينما قال البعض إن كلماتها تحمل نفس غادة السمان الشاعرة السورية الرصينة، أو على الأرجح يكون الأديب ياسين رفاعية "يارا"، نعم كنا نعرفهم جميعاً ونشتم رائحة كلماتهم بعنفوان شبابي وثقافة لا تعرف الحدود .. لا أحد مثلنا .. كنا نقرأ مرثيات نزار قباني وعشقياته، ودندنات شاكر السياب وحداثيات نازك الملائكة، وياسين رفاعية، والكاتبة السورية المرهفة غادة السمان، ونسمع وقع كلمات ناجي العلي ورفيق دربه حنظلة،  كنا نتملك العالم أدباً وشعراً ولغة .. حينها كان يحلو القول من المحيط إلى الخليج..  
على كل احتار قراء المجلة - وأنا منهم - عن من هو "يارا" هذا، كما أن إدارة المجلة رفضت أن تفصح عن من هو كاتب هذا العشق الجنوني، وظل الحال هكذا وسط ضجيج التساؤلات العنيفة، إلى أن اختفت المجلة وتوقفت وذهبت موجتها وذهب معها الجنون الجميل..

ولكن أنا الآن لم أعد أبحث عن أوراق عاشق وكاتبها يارا .. بل الآن بت أبحث عن بلدي السودان الذي هو الآن على وشك الضياع .. 
بالله عليكم ابحثوا معي عن وطني..والله أنا أبكي الآن. 
 

أبريل 08، 2026

الكوميديا رائعة دانتي .. ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري


ما أحببت شخصاً في هذه الدنيا، وإلا تمنيت له أن يطلع على رواية "كوميديا داتي" رائعة الشاعر والأديب الإيطالي دانتي ألجييري رائد عصر النهضة الأوروبية لأنه دفق من الإبداع الروحاني يحلق بالإنسان بين الأعالي ويكسبه إثارة ما بعدها إثارة.. إن أول درس يستفاد منه قارئ الكوميديا هو أنه لا يوجد شاعر في الأرض بذل من العناية والجهد في دراسة الشعر وفنونه ما بذله دانتي .

وقد قال عنه الشاعر الإنجليزي" ت س إليوت" لا أعرف شاعرا إنجليزيا قدم للغته من الخدمات مثل ما قدمه دانتي للإيطالية"

رواية "الكوميديا " لدانتي ألجييري تستنطق الحداثة الشعرية العالمية، ويعد من الملاحم الكبرى، بل تتجاوز الملحمة إلى المأساة الشعرية، تحتشد أنماط الخطاب ومستويات الكلام، فيتضافر السرد والحوار والفكر والمحاججة والاستعادة التاريخية والإشراق، ولكن هذا كله يظل عاملاً تحت "سيادة" عنصر الغناء الذي تنعقد له الغلبة من بدء العمل الكبير إلى منتهاه ، في ظل وفرة مهولة من التفاصيل المعمقة دائماً بالانفعال الشعري.

الكوميديا رحلة خيالية روحانية قام بها دانتي إلى العالم الآخر, برفقة الشاعر فرجيل صاحب ملحمة "الانياذة" حيث أطلعا معا على الجحيم الذي صادفا فيه البابا وزارا المطهر الذي يكفر فيه المذنبون عن خطاياهم، فالفردوس الذي يجد فيه عشيقته بياتريشي التي يرافقها في جولته السماوية.

إنه رحلة الشاعر منذ نزوله في "الجحيم"، ثم اختراقه "المطهر" إلى صعوداً إلى "الفردوس" حيث يقابل الطوباويين والقديسين، وبينهم بياتريشي نفسها: حبيبته التي يمثل البحث عنها "مهماز" الرحلة وحافزها الأساس.

وهي فن رفيع يهدف إلى تغيير الإنسان وإصلاح المجتمع, وقد قصد دانتي أن يجعل منها بداية لعصر جديد بخلاف عصر رجال الدين والكنيسة وصكوك الغفران الذي تمرد عليه.

وتحدث الكثير من النقاد عن وجود تشابه وثيق بين رواية الكوميديا والتراث الإسلامي مثل رسالة الغفران لأبي العلاء المعري وبعض صور الإسراء والمعراج بدليل إلمام الشاعر دانتي بالتراث 

الشرقي آنذاك.

صحيح أن الرواية خيالية ولكن يعتقد كثيرون أن الشاعر استلهم بعض صور الاسراء والمعراج، وحاول كاتبها محاكاة الشاعر أبي العلاء المعري في رسالة الغفران. 

وصدرت الترجمة العربية الشعرية الكاملة لكتاب الكوميديا، عن منظمة اليونسكو نفذها الشاعر والناقد العراقي الفرنسي الجنسية- كاظم جهاد عن النص الأصلي الإيطالي المؤلف من 14233 بيتا شعريا موزعا على مقاطع ثلاثية ومجموعة في 100 نشيد قسمت على ثلاثة أجزاء: الجحيم والمطهر والفردوس.

 

كملاوي