في زحام الغياب ومتاهات الاغتراب، يظل السودان يسكن القلوب بتفاصيله التي لا تغيب. بلاد تلتقي فيها زرقة السماء باتساع السهول، وتفيض شواطئ نيلها بالدفء والخير العميم. من انسياب النيلين وتعانقهما في المقرن، إلى خضرة الجزيرة، وشموخ جبال التاكا، وامتدادات كردفان ودارفور والنخيل المتطاول في الشمال، تتشكل لوحة جغرافية بديعة تفيض بالحياة والأمل.
غير أن جمال الأرض يتوارى
أمام جمال إنسانها؛ فأهل السودان هم سر بهائه وأصل كرمه. قومٌ فتحوا بيوتهم قبل
أبوابهم للغريب، وتشاركوا اللقمة والشاي في هجير الأيام بابتسامة رضا لا تنكسر. في
كل زاوية، تجد المروءة طبعاً، وإغاثة الملهوف عادة، والبساطة عنواناً يزين تفاصيل
الحياة اليومية. مجتمع بنى نسيجه على التكافل والتراحم والكلمة الطيبة التي تداوي
جراح الزمان.
اليوم، يقف الجميع على
عتبات الترقب متسائلين بحرقة: متى تتوقف الحرب؟ متى يسكت هدير السلاح ليعلو صوت
البناء وتعود البيوت إلى ساكنيها؟ إن حنين العودة ليس مجرد رغبة في جغرافيا محددة،
بل هو اشتياق لأمان الأمس، ولقاء الأهل، وصوت المؤذن في الحي القديم، وجمعات المساء
التي يملؤها الصفاء. ستنجلي هذه المحنة وتعود البلاد كما كانت، واحة تسع الجميع،
لترسم من جديد ملامح الغد المشرق بسواعد أبنائها المخلصين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق